ابن قيم الجوزية

513

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وتسقيهم وتظمأ ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين . ومثل أن تؤثرهم بمالك وتقعد كلّا مضطرا ، مستشرفا للناس أو سائلا . وكذلك إيثارهم بكل ما يحرمه على المؤثر دينه . فإنه سفه وعجز . يذم المؤثر به عند اللّه وعند الناس . وأما قوله : « ولا يقطع عليك طريقا » أي لا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى اللّه تعالى . مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك ، وتوجهك وجمعيتك على اللّه . فتكون قد آثرته على اللّه . وآثرت بنصيبك من اللّه ما لا يستحق الإيثار . فيكون مثلك كمثل مسافر سائر على الطريق لقيه رجل فاستوقفه ، وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق . وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى اللّه تعالى . فإيثارهم عليه عين الغبن . وما أكثر المؤثرين على اللّه تعالى غيره . وما أقل المؤثرين اللّه على غيره . وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضا مثل أن يؤثر بوقته ويفرق قلبه في طلب خلفه ، أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على اللّه . فيفرق قلبه عليه بعد جمعيته . ويشتت خاطره . فهذا أيضا إيثار غير محمود . وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك ، على الفكر النافع ، واشتغال القلب باللّه ، ونظائر ذلك لا تخفى . بل ذلك حال الخلق ، والغالب عليهم . وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع اللّه : فلا تؤثر به أحدا ، فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على اللّه ، وأنت لا تعلم . وتأمل أحوال أكثر الخلق في إيثارهم على اللّه من يضرهم إيثارهم له ولا ينفعهم . وأي جهالة وسفه فوق هذا ؟ ومن هذا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب ، وقالوا : إنه مكروه أو حرام . كمن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو ، أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة ، أو يؤثر غيره بالأذان والإقامة ، أو يؤثره بعلم يحرمه نفسه ، ويرفعه عليه . فيفوز به دونه . وتكلموا في إيثار عائشة رضي اللّه عنها لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بدفنه عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حجرتها . وأجابوا عنه بأن الميت ينقطع عمله بموته وبقربه . فلا يتصور في حقه الإيثار بالقرب بعد الموت . إذ لا تقرب في حق الميت . وإنما هذا إيثار بمسكن شريف فاضل لمن هو أولى به منها . فالإيثار به قربة إلى اللّه عزّ وجلّ للمؤثر . واللّه أعلم . قال : « ولا يستطاع إلا بثلاثة أشياء : بتعظيم الحقوق ، ومقت الشح ، والرغبة في مكارم الأخلاق » . ذكر ما يعين على « الإيثار » فيبعث عليه . وهو ثلاثة أشياء : تعظيم الحقوق . فإن من عظمت الحقوق عنده قام بواجبها . ورعاها حق رعايتها . واستعظم إضاعتها . وعلم أنه إن لم يبلغ درجة الإيثار لم يؤدها كما ينبغي . فيجعل إيثاره احتياطا لأدائها .